تازه های نشر 99
تازه های نشر 99
تازه های نشر 99
تازه های نشر 99
فراخوانی مقاله و اولویت های پژوهشی
فراخوانی مقاله و اولویت های پژوهشی
سخن موسس فقید
سخن موسس فقید
قاعدة القرعة
(الصفحة102)

غريبة وآراء عجيبة .
وعن الشافعي : نظرت في كتب أصحاب أبي حنيفة ، فإذا فيها مائة وثلاثون ورقة خلاف الكتاب والسنة . وعن سفيان ومالك وحماد والأوزاعي والشافعي : ما ولد في الإسلام أشأم من أبي حنيفة ، وقال مالك : كانت فتنة أبي حنيفة أَضرّ على الأمة من فتنة إبليس(1) .
وعن الغزالي في كتاب (المنخول في علم الاُصول) : فأما أبو حنيفة فقد قلب الشريعة ظهر البطن وشوّش مسلكها(2) .
أقول : من فتاواه لو أنّ رجلا عقد على اُمّه ، وهو يعلم أنّها اُمّه ، يسقط عنه الحدّ ، ولحق به الولد وكذا في اخته وبنته .
ومنها : أنّ الرجل إذا تلوط بغلام فأوقبه ، لم يجب عليه الحدّ ، ولكن يردع .
ومنها : إذا لفّ الرجل على إحليله حريراً ، ثمّ أولجه في قبل امرأة لم يكن زانياً ، ولا يجب عليه الحد(3) .
إذا انتهى الكلام إلى هذا المقام يليق أن نذكر أسامي سائر أئمّتهم في الفقه وهم :
مالك بن انس (95 ـ 179)(4) .
ومحمدبن إدريس بن عباس بن عثمان بن شافع (150 ـ 204)(5) .
  • (1) روضات الجنات: 8 / 172 ـ 173 .
    (2) روضات الجنّات: 8 / 174 ـ 175 .
    (3) روضات الجنّات: 8 / 169 ـ 170 .
    (4) أدوار فقه للاستاذ محمود الشهابي : 3 / 728 .
    (5) أدوار فقه: 3 / 739 .

(الصفحة103)

وأحمدبن محمد بن حنبل (164 ـ 241)(1) .

التنبيه الثامن: أصناف المجتهدين من العامّة

قال الشهرستاني (479 ـ 548) : ثمّ المجتهدون من أئمّة الاُمة محصورون في صنفين لايعدون إلى ثالث :

أصحاب الحديث وأصحاب الرأي

أصحاب الحديث :

وهم أهل الحجاز ، هم أصحاب مالك بن أنس وأصحاب محمد ابن إدريس الشافعي وأصحاب سفيان الثوري وأصحاب أحمد بن حنبل وأصحاب داود بن علي بن محمد الاصفهاني ، وإنما سموا أصحاب الحديث; لأنّ عنايتهم بتحصيل الأحاديث ونقل الأخبار وبناء الأحكام على النصوص ، ولا يرجعون إلى القياس الجليّ والخفيّ ما وجدوا خبراً أو أثراً...

أصحاب الرأي

وهم أهل العراق ، هم أصحاب أبي حنيفة النعمان بن ثابت ، ومن أصحابه محمد بن الحسن وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن محمد القاضي وزفر بن الهذيل . . . وإنّما سمّوا أصحاب الرأي; لأنّ أكثر عنايتهم
  • (1) أدوار فقه : 3 / 758 .

(الصفحة104)

بتحصيل وجه القياس ، والمعنى المستنبط من الأحكام وبناء الحوادث عليها ، وربما يقدمون القياس الجليّ على آحاد الأخبار ، وقد قال أبو حنيفة : علمنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه . . .(1) .
ونقل عن داود الاصفهاني الأصول هي الكتاب والسنة والإجماع فقط ، ومنع أن يكون القياس أصلا من الاُصول ، وقال : إنّ أوّل من قاس إبليس(2) .
وقال المحقّق الأنصاري : «فقد حكي عن تواريخهم أنّ عامة أهل الكوفة كان عملهم على فتوى أبي حنيفة وسفيان الثوري ورجل آخر ، وأهل مكة على فتاوى ابن جريج ، وأهل المدينة على فتاوى مالك ، وأهل البصرة على فتاوى عثمان وسواده . وأهل الشام على فتاوى الأوزاعي والوليد ، وأهل المصر على فتاوى الليث بن سعيد ، وأهل خراسان على فتاوى عبدالله بن المبارك الزهري . وكان فيهم أهل الفتاوى غير هولاء كسعيد بن المسيّب وعكرمة وربيعة الرأي ومحمد ابن شهاب الزهري إلى أن استقرّ رأيهم بحصر المذاهب في الأربعة سنة خمس وستّين وثلاثمائة كما حكي(3) .
أقول : ما ذكره من حصر المذاهب في الأربعة عام (365) موافق لما ذكره صاحب الروضات(4) وفي حاشية أوثق الوسائل عن شرحي
  • (1) الملل والنحل : 1 / 187 ـ 188 .

  • (2) الملل والنحل: 1 / 186 ـ 187 .

  • (3) فرائد الاُصول المحشى بحاشية «رحمة الله» ص468 .

  • (4) روضات الجنّات : 1 / 191 ذيل ترجمة أحمد بن حنبل .

(الصفحة105)

الوافية للسيد الصدر والفاضل الكاظمي كان ذلك في سنة (665)(1) .
ونقل العلاّمة الطهراني عن ابن الفوطي : إن رسمية مجموعالمذاهب الأربعة في بغداد كانت من سنة 631 الّتي افتتحت فيها المدرسة المستنصرية ، وقسمت أربعة أقسام لأهل المذاهب الأربعةإلى سنة (645) التى التزم فيها المدرسون بأن لايتجاوز عن قولالمشايخ القدماء وآرائهم حفظاً لحرمتهم وتبرّكاً بسابقتهم في العلموالدين(2) .
ونقل عن المقريزي أنّ ذلك في خصوص مصر كان في سنة (665)(3) .
أقول : ويمكن الجمع بأنّ حدوث فكرة الحصر كان في القرن الرّابع ، وأمّا تسجيل ذلك ورسمية الحصر في تمام البلاد الإسلامية كان في سنة (665) .

التنبيه التاسع : مختار الشيخ الطوسي وصاحب الوسائل في تعارض البينات

في كتاب وسائل الشيعة قال الشيخ : الّذي أعتمده في الجمع بين هذه الأخبار هو أنّ البيّنتين إذا تقابلتا فلا تخلو أن تكون مع إحداهما يد
  • (1) أوثق الوسائل : 629 .

  • (2) تاريخ حصر الاجتهاد للعلاّمة التهراني (الشيخ آغا بزرگ) : 107 .

  • (3) المصدر نفسه .

(الصفحة106)

متصرّفة أو لم تكن ، فإن لم تكن يد متصرّفة وكانتا خارجتين ، فينبغي أن يحكم لأعدلهما شهوداً ويبطل الآخر ، فإن تساويا في العدالة حلف أكثرهما شهوداً ، وهو الّذي تضمّنه خبر أبي بصير .
وما رواه السكوني من القسمة على عدد الشهود ، فإنّما هو على وجه المصالحة والوساطة بينهما دون مرّ الحكم ، وإن تساوى عدد الشّهود اُقرع بينهم ، فمن خرج اسمه حلف بأن الحقّ حقّه . وإن كانمع إحدى البينتين يد متصرفة ، فإن كانت البيّنة إنما تشهد له بالملك فقط دون سببه ، انتزع من يده وأعطي اليد الخارجة ، وإن كانت بيّنته بسبب الملك إمّا بشرائه وإمّا نتاج الدابة إن كانت دابة أو غير ذلك ، وكانت البيّنة الاُخرى مثلها ، كانت البينة الّتي مع اليد المتصرفة أولى .
فأما خبر إسحاق بن عمّار : أنّ من حلف كان الحقّ له ، وإن حلفا كان الحقّ بينهما نصفين ، فمحمول على أنه إذا اصطلحا على ذلك . لأنا بيّنا الترجيح بكثرة الشهود أو القرعة ، ويمكن أن يكون الإمام مخيّراً بين الإحلاف والقرعة ، وهذه الطريقة تأتي على جميع الأخبار من غير إطراح شيء منها وتسلم بأجمعها ، وأنت إذا فكرت فيها رأيتها على ما ذكرت لك إن شاء الله ، انتهى(1) .
أقول : ويأتي ما يدل على بعض المقصود ، ولعلّ ما خالف قول الشيخ محمول على التقية(2) .
  • (1) التهذيب: 6 / 237 ـ 238. الاستبصار: 3 / 42 ـ 43. أقول : قد فصّل الشيخ في كتاب الخلاف ، وأطنب بمالا مزيد عليه في عدّة صفحات ، الخلاف: 6 / 337 ـ 348 .

  • (2) وسائل الشيعة : 18 / 186 ـ 187 .

(الصفحة107)

التنبيه العاشر: مختار العلاّمة المجلسي في تعارض البينات

قال في مقام نقل الأقوال في تعارض البيّنات : الرابع ترجيح الأعدل من البيّنتين أو الأكثر عدداً مع تساويهما في العدالة مع اليمين ، ومع التساوى يقضى للخارج، وهوقول المفيد، وقريب منه قول الصدوق. والترجيح بهاتين الصفتين عمل بها المتأخرون على تقدير كون العين في يد ثالث ، ولو كانت في يد ثالث فالمشهور الحكم لأعدل البينتين ، فإن تساويا فلأكثرهما ، ومع التساوي عدداً وعدالة يقرع بينهما ، فمن خرج اسمه اُحلف وقضي له ، ولو امتنع اُحلف الآخر وقضى له ، فإن نكلا قضي بينهما بالسوية ، وقال الشيخ في المبسوط : يقضى بالقرعة إن شهدتا بالملك المطلق ، ويقسّم بينهما إن شهدتا بالملك المقيد ، ولو اختصّت إحداهما بالتقييد قضي بها دون الاُخرى ، وذهب جماعة من المتقدمين إلى الترجيح بالعدالة والكثرة في جميع الأقسام وهو أنسب(1) .

التنبيه الحادي عشر : كلام لابن إدريس

إذا ضرب بطنها (أي بطن المرأة الحامل) فألقت جنيناً . . . فإن مات الولد في بطنها وكان تامّاً حيّاً قد علم تحقق حياته ، روي في بعض
  • (1) مرآة العقول : 24 / 287 .

(الصفحة108)

الأخبار أنّ ديته نصف دية الذكر ونصف دية الاُنثى ، والذي يقتضيه اُصول مذهبنا استعمال القرعة ، ولا يلتفت إلى أخبار الآحاد; لأنّها لاتوجب علماً ولا عملا ، والقرعة مجمع عليها أنّها تستعمل في كلّ أمر مشكل، وهذا من ذاك(1) .
وقال في كلام آخر: وروي أنّه إذا قتلت المرأة وهي حامل متمّم، ومات الولد في بطنها ولايعلم أذكر هو أم اُنثى ، حكم فيه بديتها كاملة مع التراضي ، وفي ولدها بنصف دية الرجل ونصف دية المرأة ، والأولى استعمال القرعة في ذلك . . . لأنّ القرعة مجمع عليها في كلّ أمر مشكل وهذا من ذلك(2) .
وردّه العلاّمة في المختلف : إذا كانت الروايات متطابقة على هذا الحكم ، وأكثر الأصحاب قد صاروا إليها ، فأيّ مشكل بعد ذلك في هذا الحكم حتى يرجع إليها ، ويعدل عن النقل وعمل الأصحاب ؟ ولواستعملت القرعة في ذلك استعملت في جميع الأحكام; لأنا إذا تركنا النصوص بقيت مشكلة . . . وهذا في غاية السقوط(3) . وردّه في المسالك بأنّ عذر ابن إدريس على مبناه في الخبر الواحد في العدول إلى القرعة واضح(4) .
أقول : به يستفاد من كلامه اُمور :
ألف : أنّ القرعة قاعدة إجماعيّة .
  • (1) السرائر : 3/ 400 ـ 401 .

  • (2) السرائر: 3 / 417 .

  • (3) مختلف الشيعة: 9 / 426 مسألة 94 .

  • (4) مسالك الأفهام : 15 / 483 .

(الصفحة109)

ب : انطباق عنوان المشكل على ما كان له واقع معيّن كما في الخنثى .
ج : تقدّم القرعة على الأمارات الظنيّة غير المعتبرة .

التنبيه الثاني عشر : فيما ذكره رضي الدين جمال السالكين السيّد علي بن موسى بن طاووس في كتاب الأمان من أخطار الأسفار والأزمان

قال: الفصل التاسع : فيما نذكره مما يحتاج إليه المسافر من معرفة القبلة للصلوات ، نذكر منها ما يختصّ بأهل العراق ، فإننا الآن ساكنون بهذه الجهات .
فنقول : إن كان الإنسان يريد معرفة القبلة لِصلاة الصبح ، فيجعل مطلع الفجر في الزمان المعتدل عن يساره ، فتكون القبلة بين يديه ، وإن كان يريد القبلة لصلاة الظهر أو صلاة غيرها ، فإذا عرف الأفق الذي طلعت منه الشمس فيجعله عن يساره ، ويستقبل وسط السماء ، فإذا رأى عين الشمس على طرف حاجبه الأيمن من جانب أنفه الأيمن ، فقد دخل وقت الصلاة لفريضة الظهر ، وإن أراد معرفة القبلة لصلاة العشاء ، فيجعل غروب الشمس عن يمينه في الزمان المعتدل ويصلّي ، فإنّه يكون متوجّهاً إلى القبلة ، وإن كان قد بان له الكوكب المسمّى بالجدي ، فيجعله وراء ظهره من جانبه الأيمن ، ويكون مستقبل القبلة . وكذا متى أراد معرفة القبلة لصلاة الليل فيعتبر ذلك بالجدي كما ذكرناه .
الفصل العاشر : فيما نذكر إذا اشتبه مطلع الشمس عليه ، إن كان
(الصفحة110)

غيماً أو وجد مانعاً لايعرف سمت القبلة ليتوجّه إليه .
نقول : إذا اشتبه مطلع الشمس عليه ، ولم يكن معه من الآلات التي ذكرها أهل العلم بذلك ما يعتمد عليه ، فيأخذ عوداً مقوّماً يقيمه في الأرض المستوية ، فإذا زاد الفيء فهو قبل الزوال ، وإذا شرع الفيء في النقصان فقد زالت الشمس ودخل وقت الصلاة لفريضة الظهر ، وإن كان الوقت غيماً أو غيره مما يمنع من معرفة القبلة بالكلية ، وكان عنده ظنّ أو أمارة بجهة القبلة فيعمل عليه ، فإن تعذر ذلك فيعمد على القرعة الشرعية ، ولا حاجة إلى أن يصلي إلى أربع جهات ، فإننا وجدنا القرعة أصلا شرعياً معوّلا عليه في الروايات ، فإن لم يحصل له بها علم اليقين ، فلابدّ أن يحصل له بها ظنّ ، وهو كاف في معرفة القبلة لمن اشتبهت عليه من المصلّين ، وإن قدر أن يصحب المسافر معه كتاب «دلائل القبلة» لأحمد بن أبي أحمد الفقية ، فإنه شامل للتعريف والتنبية لمعرفة القبلة من سائر الجهات، وفيه كثير من المهمات .
أقول : وعسى يقول قائل : إذا جاز أن يعمل بالقرعة عند اشتباه القبلة ، فلا يبقى معنى للفتوى بالصلاة عند الاشتباه إلى أربع جهات .
والجواب : لعلّ الصلاة إلى أربع جهات لمن لم يقدر على القرعة الشرعية ولا يحفظ كيفيتها ، فيكون حاله كمن عدم الدلالات والأمارات على معرفة القبلة .
ومن الجواب : أنه إذا لم يكن للمفتي بالأربع جهات حجّة إلاّ الحديثين المقطوعين عن الإسناد ، اللذين رواهما جدي الطوسي في تهذيب الأحكام ، فإنّ أحاديث العمل بالقرعة أرجح منهما وأحقّ بالتقديم عليهما .

(الصفحة111)

ومن الجواب : أنّنا اعتبرنا ما حضرنا من الروايات ، فلم نجد في الحال الحاضرة إلاّ الحديثين المشار إليهما ، وهذا لفظهما :
الحديث الأول : محمد بن علي بن محبوب ، عن العباس ، عن عبدالله ابن المغيرة ، عن إسماعيل بن عباد ، عن خراش ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قلت له : جعلت فداك ، إنّ هؤلاء المخالفين علينا يقولون : إذا أطبقت علينا أو أظلمت فلم نعرف السماء ، كنّا وأنتم سواء في الاجتهاد ، فقال : ليس كما يقولون ، إذا كان ذلك فليصلّ لأربع وجوه(1) .
الحديث الثاني : وروى الحسين بن سعيد، عن إسماعيل بن عباد ، عن خراش ، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) مثله(2) .
أقول : فهذان الحديثان كما ترى عن طريق واحدة ، وهي إسماعيل ابن عباد ، عن خراش ، عن بعض أصحابنا ، مقطوعي الإسناد .
أقول : وقد روى جدّي الطوسي (قدس سره) في تحرّي القبلة عند الاشتباه ، ما هو أرجح من هذين الحديثين ، وعسى أن يكون له عذر في ترجيح حديث الأربع جهات مع ضعفه وانقطاع سنده ، وظهور قوة أخبار القرعة من عدّة جهات ، ونحن عاملون بما عرفناه ، ولا نكلّف أحداً أن يقلّدنا ، وربّكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً .
الفصل الحادي عشر : فيما نذكره من الأخبار المروية بالعمل على القرعة الشرعية .
  • (1 ، 2) التهذيب :2 / 45 ح 144 و145 ، الاستبصار: 1 / 295 ح 1085 و 1086، الوسائل: 3 / 226 ب8 من أبواب القبلة ح5 .

(الصفحة112)

فمن ذلك ما رويناه بإسنادنا إلى الثقة الصالح علي بن إبراهيم بن هاشم القمي (رضي الله عنه) في كتابه «كتاب المبعث» من نسخة تاريخها سنة أربعمائة من الهجرة النبوية ، فيما ذكره في سرية عبدالله بن عتيك ، وقد نفذهم النبيّ ـ صلوات الله عليه وآله ـ لقتل أبي رافع ، فقال في حديثه ما هذا لفظه : وكانوا قبل أن يدخلوا قد تشاوروا فيمن يقتله ، ومن يقوم على أهل الدار بالسيف ، فوقعت القرعة على عبدالله بن أنيس .
أقول : فهذا ما أردنا ذكره من الحديث قد تضمّن عملهم على القرعة في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) في مثل هذا المهم العظيم ، فلولا علمهم أنّ القرعة من شريعته ، وأنها تدلّ على المراد بها على حقيقته ، كيف كانوا يعتمدون عليها ويخاطرون بنفوسهم في الرجوع إليها؟!
ومن الأحاديث في العمل بالقرعة ، ما رويناه بعدّة طرق إلى الحسن بن محبوب ، من كتاب «المشيخة» من مسند جميل ، عن منصور ابن حازم قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول ـ وسأله بعض أصحابنا عن مسألة : فقال ـ «هذه تخرج في القرعة» ، ثمّ قال : «وأي قضية أعدل من القرعة إذا فوّض الأمر إلى الله ـ عزوجل ـ ؟ أليس الله ـ عزوجل ـ يقول: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ}(1) ؟
ومن الأحاديث في العمل بالقرعة ما رويته بعدّة طرق أيضاً إلى جدّي أبي جعفر الطوسي ، فيما ذكره في كتاب «النهاية» فقال : روي عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)  ، وعن غيره من آبائه وأبنائه ـ صلوات الله عليهم ـ من قولهم : «كلّ مجهول ففية القرعة» قلت له : إنّ القرعة تخطئ
  • (1) الصافات : 141 .

(الصفحة113)

وتصيب ، فقال : «كلّ ما حكم الله به فليس بمخطئ» .
أقول : فهذا يكشف أنّ كلّ مجهول ففيه القرعة ، وإذا اشتبهت جهة القبلة فهو أمر مجهول ، فينبغي أن تكون فيه القرعة، وسوف نذكر من صفة القرعة بعض ما رويناه .
فصل : وقد رويت أيضاً من حديث القرعة ، ما ذكره أبو نعيم الحافظ في المجلدة الاخيرة من كتاب «حلية الأولياء» ما هذا لفظه : حدّثنا أبو إسحاق بن حمزة ، قال : حدّثنا أبو العباس أحمد بنمحمد بن مسروق الصوفي قال : حدّثنا عبد الأعلى قال : حدّثنا حمادابن سلمة ، عن عطاء الخراساني ، عن سعيد بن المسيب وأيّوب، عن محمد بن سيرين ، عن عمران بن حصين . وقتادة وحميد ، عن الحسن ، عن عمران: أنّ رجلا أعتق ستة مملوكين عند موته ، ليس له مال غيرهم ، فأقرع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بينهم ، فأعتق اثنين وردّ أربعة في الرق(1) .
أقول : فهذا يقتضي تحقيق العمل بالقرعة في حياة النبي (صلى الله عليه وآله)  ، وأنّه مروي من طريقنا وطريق الجمهور ، فصار كالإجماع فيما أشرنا إليه .
فصل : ورأيت في كتاب عتيق ، تسميته كتاب «الأبواب الدامغة» تأليف أبي بشر أحمد بن إبراهيم بن أحمد العمي ما هذا لفظه : قالت فاطمة بنت أسد: فلما أملق أبو طالب جاءه رسول الله (صلى الله عليه وآله) والعباس ، فأخذا من عياله اثنين بالقرعة ، فطار (فصار) سهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعليّ (عليه السلام) ، فصار معه وله ، وأنشأه وربّاه ، فأخذ علي (عليه السلام) بُخلق
  • (1) حلية الأولياء : 10 / 215 .

(الصفحة114)

رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهديه وسيرته ، وكان أول من آمن به وصدقه . تمّ  الحديث .
الفصل الثاني عشر : فيما نذكره من روايات في صفة القرعة الشرعية ، كنا ذكرناها في كتاب «فتح الأبواب بين ذوي الألباب وربّ الأرباب» .
منها: ما رويناه بإسنادنا إلى الحسن بن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن عبدالرحمن بن سيابة قال : خرجت إلى مكة ومعي متاع كثير فكسد علينا ، فقال بعض أصحابنا : اِبعث به إلى اليمن ، فذكرت ذلك لأبي عبدالله (عليه السلام) ، فقال لي : «ساهم بين مصر واليمن ، ثمّ فوّض أمرك إلى الله ، فأيّ البلدين خرج اسمه في السهم فابعث إليه متاعك» ، فقلت : كيف أُساهم؟ فقال : «اكتب في رقعة : بسم الله الرحمن الرحيم ، اللّهمّ إنّه لا إله إلاّ أنت عالم الغيب والشهادة ، أنت العالم وأنا المتعلِّم ، فانظر في أيّ الأمرين خيراً لي ، حتى أتوكّل عليك وأعمل به . ثمّ اكتب : مصر إن شاء الله ، ثمّ اكتب في رقعة اُخرى مثل ذلك ، ثمّ اكتب : اليمن إن شاء الله ، ثمّ اكتب في رقعة اُخرى مثل ذلك ، ثمّ اكتب : يُحبس إن شاء الله ، ولا يبعث به إلى بلدة منهما ، ثمّ اجمع الرقاع فادفعها إلى من يسترها عنك ، ثمّ أدخل يدك فخذ رقعة من الثلاث رقاع ، فأيّها وقعت في يدك فتوكلّ على الله ، واعمل بما فيها إن شاء الله» .
أقول : ورويت صفة مساهمة برواية اُخرى بإسنادنا إلى عمرو بن أبي المقدام ، عن أحدهما (عليهما السلام) في المساهمة تكتب : «بسم الله الرحمن الرحيم، اللّهمّ فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، أسألك بحقّ محمد
(الصفحة115)

وآل محمد أن تصلي على محمد وآل محمد ، وأن تخرج لي خير السهمين في ديني ودنياي وعاقبة أمري وعاجله ، إنّـك على كلّ شيء قدير ، ما شاء الله ولا حول ولا قوة إلاّ بالله ، صلّى الله على محمد وآله وسلم . ثمّ تكتب ما تريد في رقعتين ، ويكون الثالث غفلا ، ثمّ تجيل السهام ، فأيّها خرج عملت عليه . ولا تخالف ، فمن خالف لم يصنع له ، وإن خرج الغفل رميت به» .
أقول : صفة رواية اُخرى في القرعة عن الصادق (عليه السلام) ، أنه قال : «من أراد أن يستخير الله ـ تعالى ـ فليقرأ الحمد عشر مرات ، وإنّا أنزلناه عشر مرات، ثمّ يقول : اللّهمّ إني أستخيرك لعلمك بعواقب الاُمور ، وأستشيرك لحسن ظنّي بك في المأمون (المأمول خ.ل) والمحذور ، اللّهمّ إن كان أمري هذا ممّا قد نيطت بالبركة أعجازه وبواديه ، وحُفَّت بالكرامة أيّامه ولياليه ، فخر لي فيه بخيرة ترد شموسه ذلولا ، وتقعض(1)أيّامه سروراً ، يا الله إما أمر فأئتمر ، وإمّا نهي فأنتهي ، اللّهمّ خِر لي برحمتك خيرة في عافية ـ ثلاث مرّات ـ ثمّ تأخذ كفّاً من الحصى أو سبحتك»(2) .
أقول : لعلّ معناه أن يجعل الكف من الحصى أو السبحة في مقام رجل آخر يقارع معه ، ويعزم على ما وقعت القرعة فيعمل عليه .
وفي رواية اُخرى : يقرأ الحمد مرّة، وإنّا أنزلناه إحدى عشرة مرّة، ثمّ يدعو الدعاء الذي ذكرناه ويقارع هو وآخر ، ويكون قصده أ نّني
  • (1) قعضه: عطفه. «الصحاح ـ قعض 3 : 1103».

  • (2) فتح الأبواب : 53 .

(الصفحة116)

متى وقعت القرعة على أحدهما أعمل عليه(1) .(2)

التنبيه الثالث عشر : في نتائج الأبحاث

تحصّل من جميع ما ذكرنا :
أ : أنّ عمومات القرعة وإطلاقاتها صالحة للاستدلال كسائر العمومات والإطلاقات ، والقول بوهنها من ناحية كثرة التخصيص والتقييد ، وعليه لابدّ من الاقتصار بما عمل بها الأصحاب ممّا لا  أساس  له .
ب : اطلاقاتها وعموم أدلّتها تشمل جميع الموضوعات المشكلة، كان لها واقع معين أم لا ، بلا فرق بين موارد تزاحم الحقوق وغيرها .
ج : تبيّن أنّ ما يسمونه بقاعدة العدل والإنصاف وتقديمها على قاعدة القرعة ، لا واقعية له ولا دليل عليه .
د : أنّ النقل والعقل وإن كانا دالّين على لزوم الاحتياط في الشبهات المحصورة المقرونة بالعلم الإجمالي ، إلاّ أنّهما كسائر الأدلّة قاصران عن موارد الضرر والحرج .
فعلى هذا يستدل بها في جميع الشبهات الموضوعية ، التي لا دليل عليها من العقل والنقل ، أو كان شمول الدليل مقروناً بالضرر والحرج ، إلاّ أن يقوم الإجماع على خلافها .
  • (1) فتح الأبواب : 53 .

  • (2) الأمان من أخطار الأسفار والأزمان: 93 ـ 98 .

(الصفحة117)

التنبيه الرابع عشر : في بعض الفروع المهمّة

ولنذكر بعض الموارد المهمة تتميماً للفائدة وتكميلا للقاعدة :
منها: الرجوع اليها في مورد الجهل بالقبلة مطلقاً، كما اختاره جمال السالكين رضي الدين علي بن موسى بن طاووس ، أو في خصوص صورة ضيق الوقت، كما اختاره الشهيد الثاني في تمهيد القواعد ، أو فيما لا يمكن فيه التكرار، كما صرّح بكونه الأحوط السيد الطباطبائي في كتاب العروة الوثقى .
ومنها: تعيين الدائن المردّد بين الاثنين أو الأكثر ، كما اختاره سيّدنا المحقّق القائد في كتاب تحرير الوسيلة(1) .
ومنها: تعيين القاتل المردّد بين الاثنين أو الأكثر ، كما اختاره السيد القائد في بعض الاستفتاءات(2) ودلّ عليه قانون المجازات الإسلاميّة المصوّب عام (1370 الشمسيّة)(3) .
  • (1) تحرير الوسيلة : 1 / 332 بحث خمس الحلال المختلط بالحرام.

  • (2) كتاب موازين قضائى از ديدگاه امام : 163 و170 .

  • (3) مادة (315) من قانون المجازات الإسلامية.
    واختلف كلام الأعلام في هذه المسألة، ففي كتاب جامع الشتات يعمل فيها كسائر الدعاوى ، فإن حلفوا جميعاً على عدم ارتكابهم القتل يحكم ببراءة الجميع . وعن سيدنا المرحوم المحقق الگلپايگاني ، وشيخنا المرحوم المحقّق الأراكي : توزيع الدية على المتّهمين . ومما ذكرنا سابقاً يظهر لزوم الرجوع إلى القرعة كما لا يخفى .

(الصفحة118)

ومنها: تعيّن الجارح المردّد بين الاثنين أو الأكثر، فإنّ الأقوى الرجوع فيها إلى القرعة .
ومنها : تعيين متولي الوقف المردّد بين الاثنين والأكثر، وهكذا تعيين الناظر والوصي عند التردّد، وغير ذلك من موارد تزاحم الحقوق والتكاليف ممّا عليه بناء العقلاء والمتشرعة، وهي خارجة عن حد الإحصاء كما لايخفى .

التنبيه الخامس عشر : النقد العلمي لكلام ابن إدريس الحلّي

قد مرّ في التنبيه الرابع أنّ الاستخارة نوع من القرعة ، وقسم من المواضعة مع الله في إراءة الخير والصلاح بالسبحة أو الرقاع أو القرآن الكريم على ما هو المتعارف بين الأعيان من المشايخ العظام ، ويدل على مشروعيته مضافاً إلى عمومات الدعاء ، الأخبار الكثيرة والشهرة القطعية ، ولم يخالف فيها ـ أي الاستخارة بالرقاع ـ إلاّ ابن إدريس ، وهو مبنيّ على مختاره من عدم حجية الخبر الواحد ، وإسناد المخالفة إلى
ثمّ اعلم إن كان القتل عمديّاً لايحكم بالقصاص لمن عيّن بالقرعة ، وذلك لقاعدة «الحدود تدرأ بالشبهات».
والقول بأنّ المراد بالحدود ما يسمى في الفقه بالحدود والقصاص لايكون حدّاً فقيهاً، فلا تشمله قاعدة الدرءِ ، مندفع بإطلاق الحدّ عليه في بعض النصوص ، ولا أقل من الشبهة في ذلك ، فتشمله القاعدة لإطلاق الشبهة وشمولها عند الشبهة في شمول القاعدة وعدمه ، وبعبارة اُخرى الشبهة في شمول قاعدة الدرءِ تدخل في نطاق القاعدة ، فتأمّل .
(الصفحة119)

المحقّق الأردبيلي ناشئ من عدم التأمّل في كلامه كما ذكرناه ، نعم تبعه المحقّق في المعتبر في الجملة ، وحيث تمسّك بعض المؤلّفين بكلام ابن إدريس ، رأيت الصلاح في طرح كلامه مع ما أورد عليه أساطين الدين وعلماؤنا العاملون، حتّى يتبيّن الحق وينسد طريق الإضلال على من في قلبه الزيغ ويميل إلى إلقاء الريب، فنقول مستعيناً بالله تبارك وتعالى :
قال في السرائر : وإذا أراد الإنسان أمراً من الاُمور لدينه أو دنياه ، يستحبّ له أن يصلي ركعتين ، يقرأ فيهما ما شاء ، ويقنت في الثانية ، فإذا سلّم ، دعا بما أراد ثم ليسجد ، وليستخر الله في سجوده مائة مرّة ، يقول : استخير الله في جميع اُموري خيرة في عافية ، ثم يفعل ما يقع في قلبه ، والروايات في هذا الباب كثيرة(1) ، والأمر فيها واسع ، والأولى ما ذكرناه .
فأمّا الرقاع ، والبنادق ، والقرعة ، فمن أضعف أخبار الآحاد ، وشواذ الأخبار; لأنّ رواتها فطحية ملعونون، مثل: زرعة ورفاعة وغيرهما ، فلا يلتفت إلى ما اختصّا بروايته ، ولا يعرج عليه .
والمحصلون من أصحابنا ما يختارون في كتب الفقه ، إلاّ ما اخترناه ، ولا يذكرون البنادق ، والرقاع ، والقرعة ، إلاّ في كتب العبادات ، دون كتب الفقه. فشيخنا أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) لم يذكر في نهايته ومبسوطه واقتصاده(2) إلاّ ما ذكرناه واخترناه ، ولم يتعرّض للبنادق ، وكذا شيخنا
  • (1) الوسائل : الباب 28 من أبواب بقية الصلوات المندوبة .

  • (2) النهاية : 142 باب نوافل شهر رمضان وغيرها من الصلوات المرغب فيها، المبسوط : 1 / 133 في ذكر النوافل من الصلاة ، الاقتصاد : 274 فصل في ذكر نوافل شهر رمضان وجملة من الصلوات المرغبة فيها .

(الصفحة120)

المفيد في رسالته إلى ولده(1) لم يتعرّض للرقاع ولا للبنادق ، بل أورد روايات كثيرة فيها صلوات وأدعية ، ولم يتعرّض لشيء من الرقاع ، والفقيه عبد العزيز بن البراج (رحمه الله) أورد ما اخترناه ، فقال : وقد ورد في الاستخارة وجوه عدّة ، وأحسنها ما ذكرناه(2) .
ويرد عليه :
أ : ما ذكره العلاّمة في المختلف بقوله : «وأيّ فارق بين ذكره في كتب الفقه وكتب العبادات؟ فإن كتب العبادات هي المختصّة به ، ومع ذلك ذكره المفيد في المقنعة وهي كتاب فقه وفتوى ، وذكره الشيخ في التهذيب وهو أصل الفقه ، وأيّ محصِّل أعظم من هذين المفيد والشيخ؟ وهل استفيد الفقه إلاّ منهما؟
ب : ما ذكره العلاّمة فيه أيضاً بقوله : «وأمّا نسبة الرواية إلى زرعة فخطأ فإنّ المنقول فيه روايتان إحداهما رواها هارون بن خارجة عن الصادق (عليه السلام) والثانية رواها محمد بن يعقوب الكليني عن علي بن محمد ـ رفعه ـ عنهم (عليهم السلام) وليس في طريق الروايتين زرعة ولا رفاعة» .
ج : ما ذكره أيضاً بقوله : «وأمّا نسبة زرعة ورفاعة إلى الفطحيّة فخطأ ، أمّا زرعة فإنّه واقفي ، وكان ثقة ، وأمّا رفاعة فإنّه ثقة صحيح المذهب» ثم قال : «وهذا كلّه يدلّ على قلّة معرفته بالروايات والرجال... وهلاّ استبعد القرعة وهي مشروعة إجماعاً في حقّ الأحكام الشرعية والقضايا بين الناس وشرعها دائم في حقّ جميع المكلّفين، وأمر
  • (1) رسالة الشيخ المفيد : لم نعثر عليها .

  • (2) السرائر: 1 / 313 ـ 314 .

(الصفحة121)

الاستخارة سهل يستخرج منه الإنسان معرفة ما فيه الخيرة في بعض أفعاله المباحة المشتبهة عليه منافعها ومضارّها الدنيوية»(1) .
أقول : رفاعة هو رفاعة بن موسى النخّاس، وثّقه الشيخ وعدّه من أصحاب الصادق (عليه السلام)  ، وقال النجاشي في حقّه : «كان ثقة في حديثه مسكوناً إلى روايته لا يعترض عليه شيء من الغمز حسن الطريقة»(2) .
د : قوله : «وكذا شيخنا المفيد في رسالته إلى ولده» اشتباه جدّاً ، فإنّ المفيد لم يذكر في مؤلّفاته رسالة إلى ولده(3) ولم يكن ذكر من ولده في عدّ تلامذته ، ولعلّه أراد به رسالة علي بن بابويه إلى ولده الصدوق .
هـ : ما ذكره في نفي ثبوت القرعة مخالف لما ذكره في كتاب الشهادات بقوله : «وكلّ أمر مشكل مجهول يشتبه الحكم فيه ، فينبغي أن يستعمل فيه القرعة; لما روي عن الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) وتواترت به الآثار ، وأجمعت عليه الشيعة الإمامية»(4) إلاّ أن يراد بكلامه نفي ثبوت القرعة بعد صلاة الاستخارة .
و : ما أورد عليه الشهيد في الذكرى ـ بعد استعجابه من عدّ ما دلّ عليه من شواذ الأخبار ـ : «وكيف تكون شاذة وقد دوّنها المحدّثون في كتبهم ، والمصنّفون في مصنّفاتهم ، وقد صنّف السيّد السعيد العالم العابد صاحب الكرامات الظاهرة والمآثر الباهرة أبو الحسن علي بن طاووس الحسني كتاباً ضخماً في الاستخارات ، واعتمد فيه على روايات الرقاع ،
  • (1) مختلف الشيعة : 2 / 356 ـ 357 مسألة 256 في باقي النوافل .

  • (2) تنقيح المقال : 1 / 433 .

  • (3) راجع ريحانة الأدب .

  • (4) السرائر: 2 / 173 .

(الصفحة122)

وذكر من آثارها عجائب وغرائب أراه الله تعالى إيّاها وقال : إذا توالى الأمر في الرقاع فهو خير محض ، وإن توالى النهي فهو شرّ محض ، وإن تفرّقت اعتمد الخير والشرّ موزّعاً بحسب تفرّقها على أزمنة ذلك الأمر بحسب ترتبها»(1) .
أقول : وتبعه أي صاحب السرائر ـ المحقّق في المعتبر بقوله : «وأمّا الرقاع فيتضمّن اِفعل ولا تفعل ، وفي خبر الشذوذ فلا عبرة بها»(2) .
وفي الجواهر عن بعض نسخ المقنعة: «أنّ هذه الرواية مشيراً به إلى رواية الرقاع شاذّة ليست كالّذي تقدّم» لكنّه عن ابن طاووس : أنّ النسخ الصحيحة العتيقة لم توجد فيها هذه الزيادة ، ولم يتعرّض الشيخ في التهذيب لها ، وقال : إنّي قد اعتبرت كلّ ما قدرت عليه من كتب أصحابنا المتقدّمين والمتأخّرين فما وجدت ولا سمعت أنّ أحداً أبطل هذه الاستخارة(3) .
وفي البحار إلحاقاً بكلام ابن طاووس: ولعلّ هذه الزيادة منكلام غير المفيد على حاشية المقنعة ، فنقلها بعض الناسخين ،فصارت في الأصل ، ثمّ أوّلها على تقدير كونها من الشيخ بتأويلاتكثيرة(4) .
ونقل صاحب الجواهر عن مفتاح الكرامة : «أنّ ابن طاووس قد ادعى الإجماع على الاستخارة بالرقاع ممّن روى ذلك من أصحابنا ومن
  • (1) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة : 4/267 .

  • (2) المعتبر في شرح المختصر : 2/376 وفي نقل الجواهر والبحار ففي حيز الشذوذ .

  • (3) جواهر الكلام : 12 / 166 ـ 167 .

  • (4) بحار الأنوار : 88 / 288 .

(الصفحة123)

الجمهور، إلى أن قال : ـ أي صاحب الجواهر ـ : هذا كلّه مضافاً إلى ما سمعته سابقاً من التسامح في أدلّة الاستخارة، كما أومأ إليه في المختلف ، تعرف وجوه النظر فيما سمعته من السرائر(1) .

ما يرد على صاحب كتاب القرعة والاستخارة

صرّح بعض المعاصرين في كتاب سمّـاه بالقرعة والاستخارة بقوله : «إنّ روايات ذات الرقاع والسبحة كانت تتحرّك في الدائرة الشعبيّة التي لاتتداول المسائل بالمنحى العلمي النقدي، بل تتعاطى مع هكذا اُمور، خصوصاً التي تتعلّق بأمور المستقبل بطريقة اسطورية، وفيها شيء من التسليم للخرافة»(2) .
والجواب : أنّ محلّ البحث نفياً وإثباتاً خصوص صلاة استخارة ذات الرقاع المرويّة في الكافي وغيره ، ومجموع العمل مركّب من الصلاة والدعاء والقرعة بكيفية خاصة . أمّا الصلاة والدعاء فهما موردا قبول الكلّ حتّى الرجل ، وأمّا القرعة فهي ما تواترت به الأخبار والآثار كما صرّح به في فصل مشروعية القرعة من كتابه(3) .
فأين التحيّر والتردّد في الاستنتاج؟! ومن أين عدّت في الخرافة؟! عصمنا الله من سبات العقل وقبح الزلل ، وحفظنا من الجرأة على أساطين الدين وفقهائنا الشامخين وساداتنا العارفين السالكين .
  • (1) جواهر الكلام: 12 / 168 .

  • (2) القرعة والاستخارة: 110 .

  • (3) المصدر نفسه ص29 .

(الصفحة124)

الفرق بين القرعة وبين الاستقسام بالأزلام

الفرق بينهما هو الفرق بين التوحيد وبين الشرك ، ثمّ اعلم أنّه يمكن أن يتوهّم من لا نصيب له في الفقه أنّ القرعة نوع من الاستقسام بالأزلام، بدعوى أنّ الأزلام هي السهام عند الأصنام فيما يهمّون به من الاُمور العظام، مثل التزويج أو السفر، كتب على وجهي القدح : اخرج ، لا تخرج ، تزوّج ، لا تتزوّج ، فأيّ الوجهين خرج فعل راضياً به ، وهذا بعينه ما نسمّيه بالقرعة .
أقول : هذا التوهّم في غاية الفساد، فإنّ أهل الجاهلية كما صرّح به الخليل في كتاب العين يرجعون إلى الصنم بكفرهم يسألون منه أنّ أي الأمرين كان خيراً لهم أن يأذن لهم فيه من الطريقة المذكورة(1) .
وعليه كان عملهم نوعَ عبادة للصنم ونحو لجوء وعكوف إلى آلهتهم، نظير سائر عباداتهم لأصنامهم ، وأين هذا من تفويض الأمر إلى الله الواحد الحي القيوم، واستدعاء الهداية منه تبارك وتعالى؟
نعم صورة العمل تشبه بعضها بعضاً ، إلاّ أنّ الأول شرك وضلال ، والثاني توحيد وهداية، نظير السجدة، فإنّها إن وقعت لله تعدّ عبادة ، وإن وقعت للصنم وقعت شركاً وغواية ، فأين إحداهما من الاُخرى؟! والحمد لله ربّ العالمين .
  • (1) ترتيب العين : 664 .